رحلة نوكيا NOKIA من القمة إلى الإنهيار ثم العودة: قصة إلهام من التحدي والنجاح

 


هيمنة نوكيا على سوق الهواتف

في ذروة نجاحها عام 2008، كانت Nokia تسيطر على سوق الهواتف المحمولة بلا منازع، محققة إيرادات قياسية تجاوزت الـ 76 مليار دولار. هواتفها كانت تتميز بجودة تصنيع عالية، مما جعلها الخيار الأول للمستهلكين حول العالم. كان لديها قاعدة جماهيرية ضخمة من مستخدمي الهواتف الذين اختاروا منتجاتها بفضل متانتها وعمر بطاريتها الطويل. وبذلك، كانت Nokia تعتبر القوة المسيطرة في عالم الهواتف المحمولة في تلك الفترة، وكان نجاحها يشكل معيارًا للمنافسة في السوق. كانت الشركة تؤمن أن موقعها هذا سيكون مستدامًا لفترة طويلة، ولا أحد كان يتوقع التغيرات الجذرية التي ستطرأ في السنوات التالية.

ظهور الـ iPhone وتحدي نوكيا

في عام 2007، أعلن Steve Jobs عن iPhone لأول مرة، في حدث غير مجرى تاريخ الهواتف المحمولة بشكل جذري. قدم iPhone تصميمًا أنيقًا وشاشة تعمل باللمس، مع تجربة مستخدم مبتكرة غيرت مفهوم الهواتف الذكية. ورغم أن هذا الإعلان كان نقطة تحول واضحة في صناعة الهواتف، إلا أن Nokia لم تعير الأمر الاهتمام الكافي. تقارير داخلية كشفت أن مهندسي Nokia كانوا يستهينون بـ iPhone، معتبرين أنه جهاز باهظ التكلفة وغير عملي. هذه النظرة السطحية جعلت Nokia تتجاهل التغيرات السريعة في السوق ونتج عنها استراتيجيات خاطئة لم تُأخذ على محمل الجد.

محاولة الرد الفاشلة: Nokia N97

في عام 2009، أطلقت Nokia هاتفها N97، الذي كان يُروج له كـ "قاتل iPhone". كان الهاتف مزودًا بمواصفات متطورة في ذلك الوقت مثل كاميرا بدقة 5 ميجا بيكسل ولوحة مفاتيح منزلقة وشاشة تعمل باللمس. ومع ذلك، فشل الهاتف فشلًا ذريعًا في السوق بسبب عدة مشاكل تقنية. الأداء كان بطيئًا والشاشة اللمسية كانت ضعيفة الاستجابة، مما أثر بشكل كبير على تجربة المستخدم. لكن الكارثة الأكبر كانت في نظام التشغيل Symbian، الذي كان قديمًا وغير مناسب للهواتف الذكية الحديثة. هذه العيوب جعلت Nokia N97 يعاني من تراجع كبير في المبيعات، حيث شعر المستخدمون أنه لا يقدم ما هو جديد مقارنة بالمنافسين.

نظام Symbian وعجزه عن مواكبة التطور

رغم أن Symbian كان يعتبر نظام التشغيل المهيمن على هواتف Nokia لسنوات طويلة، إلا أنه لم يستطع مواكبة ثورة الهواتف الذكية الحديثة. مع ظهور أنظمة iOS و Android، أصبح Symbian يفتقر إلى السلاسة والمرونة التي كان المستخدمون يتوقعونها في تلك الفترة. كان التطبيق الرئيسي لنظام Symbian يقتصر على بضعة مئات من التطبيقات، بينما كان متجر Apple يزخر بالملايين. هذه الفجوة الكبيرة في عدد التطبيقات والمحتوى الرقمي جعلت نظام Symbian غير جذاب للمطورين، مما ساهم في تراجع مكانة Nokia في السوق.

ظهور المنافسين: Android و HTC

بينما كانت Nokia تكافح مع مشاكلها التقنية والاستراتيجية، كان هناك منافسون جدد يظهرون في السوق بسرعة. في عام 2008، أطلقت HTC هاتف Dream الذي كان يعمل بنظام Android، والذي كان مفتوح المصدر وجذابًا للعديد من الشركات والمطورين. نظام Android كان يوفر إمكانيات أكبر بكثير من Symbian وكان يتيح لمصنعي الهواتف إضافة خصائص جديدة بسرعة. ومع تطور هذا النظام، بدأت الشركات الكبرى مثل Samsung و LG و Huawei في تبني Android، مما جعل Nokia تفقد حصتها السوقية بسرعة.

تعيين Elop والضغط المتزايد

في سبتمبر 2010، عينت Nokia Stephen Elop كرئيس تنفيذي، وكان قد جاء من شركة Microsoft، حيث كان له دور كبير في تطوير حزمة Microsoft Office. بعد أن تولى المنصب، ألقى Elop خطابًا شهيرًا أطلق عليه "خطاب المنصة المشتعلة"، حيث وصف وضع Nokia بأنه يشبه شخصًا يقف على منصة نفطية مشتعلة. أشار إلى أن Nokia تواجه تحديات ضخمة من Apple و Google، وأنها تحتاج إلى تغيير استراتيجيتها بشكل جذري لكي تستمر في المنافسة. كانت تلك اللحظة بمثابة نقطة تحول حاسمة في تاريخ Nokia، حيث بدأت الشركة تشعر بحتمية التغيير.

قرار التعاون مع Microsoft

بعد الخطاب، بدأ Elop في البحث عن حل سريع لإنقاذ Nokia. كان الخيار الأكثر وضوحًا هو تبني نظام Android الذي كان في طريقه ليصبح النظام الأكثر استخدامًا في العالم. لكن بشكل مفاجئ، اختار Elop التعاون مع Microsoft واتفاق على استخدام Windows Phone كنظام تشغيل أساسي لهواتف Nokia. هذا القرار أثار جدلًا واسعًا، حيث كانت العلاقة بين Elop و Microsoft قوية جدًا، مما جعل العديد يشككون في حياديته. إضافة إلى ذلك، كان نظام Windows Phone يعاني من نقص شديد في التطبيقات مقارنةً بـ iOS و Android، مما جعل الفكرة تثير تساؤلات كثيرة حول جدواها.

إطلاق هواتف Lumia: التحديات الكبيرة

في عام 2011، أطلقت Nokia أولى هواتفها الذكية من سلسلة Lumia التي تعمل بنظام Windows Phone. ورغم أن هذه الهواتف كانت تتميز بتصميم مميز، إلا أنها واجهت العديد من المشاكل. واجهة نظام Windows Phone كانت غير بديهية وصعبة الاستخدام مقارنةً بأنظمة iOS و Android. كما أن الهواتف كانت تفتقر إلى الأداء القوي والمواصفات التكنولوجية المتقدمة التي قدمتها المنافسة. بالإضافة إلى ذلك، كانت التطبيقات المتوفرة على متجر Windows Phone محدودة للغاية، مما جعل المستخدمين يترددون في شراء هذه الهواتف.

بيع قسم الهواتف إلى Microsoft

في عام 2014، ومع استمرار تدهور مبيعات هواتف Nokia، اضطرت الشركة إلى بيع قسم الهواتف إلى Microsoft مقابل 7.2 مليار دولار. أثار هذا القرار العديد من التساؤلات حول استراتيجية Elop وولائه للشركة. فعندما غادر Elop Nokia، كانت الشركة قد فقدت ما يقارب 30% من حصتها السوقية، مما جعل القرار يبدو متسرعًا وغير مدروس. ومع ذلك، لم يكن لقرار البيع أي تأثير إيجابي على Microsoft، حيث لم تتمكن الشركة من تحقيق النجاح المنشود في سوق الهواتف الذكية.

نقطة التحول: استحواذ Nokia على Alcatel-Lucent

في عام 2015، وقعت Nokia صفقة كبيرة للاستحواذ على شركة Alcatel-Lucent الفرنسية مقابل 16.6 مليار دولار. كانت هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز مكانتها في قطاع الشبكات والاتصالات، خصوصًا مع الصعود المرتقب لتقنيات الجيل الخامس (5G). استحوذت Nokia على مختبرات Bell Labs الشهيرة، والتي كانت تملك أكثر من 29,000 براءة اختراع. هذا الاستحواذ منح Nokia أداة قوية لتطوير تقنيات جديدة في مجال الاتصالات، وزاد من قدرتها على المنافسة مع الشركات الكبرى في السوق.

التركيز على الشبكات والجيل الخامس

تحت قيادة Rajeev Suri، تحول تركيز Nokia إلى تطوير تقنيات الجيل الخامس (5G). بدأنا نرى استثمارات كبيرة في شبكات الاتصالات وتقنيات تحسين الأداء. Nokia بدأت في تطوير رقائق إلكترونية مبتكرة لدعم شبكات 5G، مما جعلها واحدة من الشركات الرائدة في هذا المجال. من خلال شراكات مع شركات اتصالات عالمية مثل AT&T في الولايات المتحدة وVodafone في بريطانيا، بدأت Nokia في استعادة مكانتها كلاعب رئيسي في قطاع الاتصالات.

الاستقرار المالي والنمو المستدام

بفضل استراتيجية Suri المركزة على الاستقرار المالي وتحقيق النمو المستدام، استطاعت Nokia العودة إلى المسار الصحيح. خلال السنوات التالية، بدأت Nokia تشهد زيادة ملحوظة في إيراداتها، حيث أضافت أكثر من 20 مليار دولار إلى عائداتها منذ خروجها من سوق الهواتف. هذا التوجه الجديد مكن Nokia من بناء مستقبل واعد في مجال الشبكات والبنية التحتية لشبكات الجيل الخامس، مما جعلها تعود لموقع قوي في السوق مرة أخرى.

chahamatv
chahamatv
تعليقات